القاضي عبد الجبار الهمذاني

114

المغني في أبواب التوحيد والعدل

يجب أن يعتقد وجوبه ، ما دام صلاحا ، إلا أن يتقدم له العلم بأن حاله لا يتغير في صفة التكليف مدة ، ولا حال أمثال ذلك الفعل للغير ، فأما ما لم يتقدم له دليل يعلم به ذلك ، فلا بدّ في اعتقاده من أن يكون مشروطا ، ولا يجوز أن يكون كذلك إلا والمخاطب كالمنتظر لورود النهى بعد الأمر ، وكالمجوّز لذلك ؛ وإذا ثبت ذلك فيجب إن اعتقد وجوب ذلك على الدوام قطعا ، أن يكون مخطئا في اعتقاده ؛ فأما العزم فإنه تابع للاعتقاد ، وإنما يجب أن يعزم على حد ما يعلم ، بشرط أو بغير شرط ، وعلى جملة أو تفصيل ، ومتى عزم على خلافه فيجب أن يكون مخطئا ؛ وهذا يبين لك أن القوم متى أثبتوا مذهبهم فيما خالفناهم باعتقاد وعزم ، ادّعوا ثبوتهما ، وخطؤهم فيهما أعظم من خطئهم في نفس المسألة ؛ فالذي ذكرناه في الأصل يزيل ما ادعوه من التعمية ، لأن التعمية إنما تجب مع فقد الدلالة ؛ فأما إذا ثبت أن مع الخطاب ، دلالة عقلية تقتضى تجويز ورود النهى ، فالتعمية زائلة ، كما أنها زائلة في ترقب ورود ما يزيل التكليف ، حالا بعد حال ؛ وأما تعلقهم بأن الغاية كالشرط والصفة فغلط ، لأن مع فقد معرفة الشرط لا يمكن المكلف إذا ما كلف على الوجه الّذي كلّف ، ومع فقد معرفة الغاية يمكنه ذلك ، لأن فقد ذلك بمنزلة التصريح المقارن للخطاب ، فلو أنه تعالى قال : افعلوا كيت وكيت وله شرط لم أبينه ، لمنع المكلّف من الامتثال ؛ ولو قال ذلك ، وقرن إليه بأن « 1 » وجوب ذلك عليكم إلى غاية لم أبينها ، وسأبينها ، لم يقدح ذلك في القيام بما كلف . . . يبين ذلك أن الغاية تؤثر في سقوط الوجوب ، والشرط يؤثر في ثبوت الوجوب ؛ ولا يجوز أن لا يبين المخاطب ما ثبت معه وجوب ما كلف ؛ ويجوز أن لا يبين ما معه يزول ما كلف ؛ فأما إلحاق ذلك بباب

--> ( 1 ) كذا في ص ، ط .